اكتشف السويداءالتاريخ والتراثتاريخ السويداء

السويداء من الاستقلال إلى الحاضر — مجتمع الجبل واقتصاده وهويته الحيّة

السويداء من الاستقلال إلى الحاضر — مجتمع الجبل واقتصاده وهويته الحيّة


السويداء بعد الاستقلال (1946–1963): إعادة البناء وتثبيت المكانة الريفية–الحضرية

مع جلاء القوات الفرنسية عام 1946، بدأت السويداء صفحة جديدة من تاريخها، شأنها شأن بقية المدن السورية التي انخرطت في مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة. غير أنّ طبيعة الاقتصاد المحلي بقيت متجذّرة في الأرض والزراعة، حيث شكّلت كروم العنب وإنتاج النبيذ التقليدي، إلى جانب الزيتون والحبوب وتربية المواشي، العمود الفقري لحياة الأهالي. برز آنذاك ما يمكن تسميته بـ “نمط القرية–المدينة”، حيث يغذّي الريف الأسواق الحضرية بفائض الإنتاج، فيما يستوعب مركز المدينة هذه العوائد عبر التجارة والخدمات.

شبكات العائلة والعشيرة كانت بمثابة “البنك الاجتماعي” الذي يوفّر الضمان والتكافل، من خلال الهجرات الموسمية للعمل والتحويلات المالية القادمة من أبناء الجبل العاملين في دمشق، لبنان، الأردن، بل وحتى في أميركا الجنوبية. هذه الموارد ساهمت في تمويل التعليم وبناء المدارس، وفي إنشاء بيوت حجرية بازالتية حديثة حافظت على روح العمارة التقليدية مع إضافة لمسات حضرية.

على المستوى الثقافي، ظلّت الثورة السورية الكبرى (1925–1927) مصدر فخر وإلهام، فهي لم تكن مجرد ذكرى وطنية، بل معياراً أخلاقياً في الوعي الجمعي. شعار سلطان باشا الأطرش “الدين لله والوطن للجميع” رسّخ قيم العيش المشترك، وأكّد على أن الجبل ليس مجرد منطقة معزولة، بل ركيزة في مشروع الدولة السورية الناشئة. بهذا المعنى، كان الاستقلال لحظة تأسيسية أعادت صياغة العلاقة بين الجبل والدولة، وبين الهوية المحلية والانتماء الوطني.


الستينيات–الثمانينيات: تحولات الدولة والريف، والتعليم كـ “سُلّم صاعد”

شهدت هذه المرحلة تحولات عميقة مع صعود الدولة المركزية بعد عام 1963، حيث انعكست السياسات الجديدة على الريف من خلال توسيع الخدمات العامة والإدارة المحلية، إضافةً إلى إصلاحات جزئية في القطاع الزراعي. لكن التحول الأكبر كان في مجال التعليم. فتحت المدارس أبوابها على مصراعيها في القرى، وأصبح السعي إلى الشهادة الجامعية حلماً مشتركاً بين آلاف الشبان. لقد باتت الدراسة الطريق الأهم للارتقاء الاجتماعي، والباب الذي يقود نحو التوظيف الحكومي أو الحصول على مهن جديدة في المدن الكبرى.

الزراعة بقيت العمود الفقري للاقتصاد، لكنها كانت رهينة الأمطار، ما دفع الأهالي إلى تطوير استراتيجيات تقليدية للتكيّف مع سنوات الجفاف، مثل تنويع المحاصيل بين الحبوب والكروم والزيتون، وتخزين الحبوب في المطامير، إضافةً إلى الاعتماد على شبكات القرابة لضمان الدعم المتبادل.

في هذه الفترة، تكوّن نمط خاص للجبل: قرى حيوية بالنشاط الزراعي خلال النهار، ومركز محافظة يستقطب الخدمات والإدارة والتعليم العالي. الهوية الاجتماعية ازدادت صلابة عبر ما يمكن تسميته بـ “سردية الصمود”، المستمدة من التضاريس الصعبة والحجر الأسود الذي أصبح رمزاً للقوة والخصوصية الثقافية. لقد عززت هذه المرحلة توازن الهوية بين الريف والمدينة، وبين المحلي والوطني.


التسعينيات–الألفية الجديدة: الهجرة والاقتصاد المعولم ومرونة المجتمع المحلي

مع دخول عقد التسعينيات، بدأت مرحلة جديدة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فقد شهدت السويداء موجة هجرات واسعة، سواء باتجاه الخليج العربي وأوروبا وأميركا اللاتينية، أو نحو دمشق والمدن السورية الكبرى. هذه الهجرات كانت أشبه بعملة ذات وجهين: فمن جهة، وفّرت تحويلات مالية ضخّة دماءً جديدة في شرايين الاقتصاد المحلي، فارتفعت مستويات التعليم، وظهرت أحياء سكنية حديثة، واتسعت قاعدة الرفاه. ومن جهة أخرى، تركت فجوات عمرية واضحة في بعض القرى بسبب غياب الشباب في سن العمل.

الهجرة لم تكن مجرد حركة أفراد، بل حملت معها أفكاراً وأساليب حياة جديدة. فقد أعاد المجتمع المحلي اكتشاف تراثه المعماري وهويته البازلتية، حيث تحولت البيوت السوداء القديمة إلى رمز ثقافي وسياحي، بينما حاولت العمارة الحديثة المزج بين الطابع التقليدي والتقنيات المعاصرة.

أما في الزراعة، فقد بقي العنب سيد الحقول بلا منازع. إنتاج الدبس والعرق التقليدي ظل حِرفة أسرية متوارثة، في حين ظهرت تجارب جديدة لصناعة النبيذ وفق أساليب حديثة تستجيب لطلب الأسواق العالمية. اللافت أنّ هذا الانفتاح الاقتصادي لم ينفصل عن الماضي، إذ أظهرت دراسات غربية أن كروم السويداء وصناعة النبيذ فيها تعود جذورها إلى الحقبة النبطية–الرومانية، ما يجعلها من أعرق مناطق النبيذ في المشرق.


المجتمع الدرزي في جبل الدروز: هوية جبلية، تنظيم أهلي، وروابط عبر–إقليمية

دروز إسرائيليون يستقبلون الدروز السوريين لدى عبورهم الحدود باتجاه الجولان المحتل (رويترز)
دروز إسرائيليون يستقبلون الدروز السوريين لدى عبورهم الحدود باتجاه الجولان المحتل (رويترز)

يُعد جبل العرب اليوم من أبرز مراكز التواجد الدرزي في المشرق. لكنه ليس مجرد تجمع سكاني، بل هوية متماسكة مبنية على قيم الانضباط الأهلي والسرّانية الدينية والتنظيم الاجتماعي عبر الزعامات التقليدية والعائلية. هذه الخصوصية التاريخية أسهمت في الحفاظ على استمرارية الجماعة الدينية والاجتماعية عبر القرون، بعيداً عن الذوبان الكامل في المحيط.

الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة تشير إلى أن الدروز تركزوا تاريخياً في بيئات جبلية مغلقة، من لبنان إلى فلسطين والأردن، مع ثقل واضح في السويداء. هذه الجغرافيا الجبلية عزّزت شعور الحصانة وعمّقت الروابط الداخلية.

العلاقات العابرة للحدود كانت جزءاً من الهوية. فمنذ القرن السابع عشر وحتى التاسع عشر، ارتبط جبل العرب بروابط وثيقة مع لبنان وفلسطين والأردن عبر الهجرات والاستيطان المتبادل. ولهذا، فإن أي أزمة إقليمية كثيراً ما تجد صدى مباشراً في الجبل بفضل شبكات القرابة والتواصل العائلي. لكن رغم الامتداد الإقليمي، تبقى الهوية الوطنية السورية هي الإطار الجامع، كما أظهر أبناء الجبل مراراً منذ ثورة 1925 وحتى الحاضر، حين توازنوا بين الانتماء الأهلي والهوية الوطنية، ليغدو الجبل رمزاً للتنوع والتعايش.


الثقافة والذاكرة والرمز: من “سؤادا” إلى السويداء الحديثة

السويداء ليست مجرد مدينة معاصرة، بل هي طبقات من الذاكرة المتراكمة عبر آلاف السنين. فمن “سؤادا” الكنعانية، إلى “ديونيسيوس” الرومانية، مروراً بـ “جبل الريان” في الوجدان الإسلامي الوسيط، وصولاً إلى “جبل العرب” الحديث، تتجلى أمامنا خريطة أسماء تعكس غنى الهوية وتحولاتها. هذه الأسماء ليست مجرد مصطلحات تاريخية، بل هي جزء من حياة الناس اليومية، حاضرة في الأغنية الشعبية، وفي الأمثال، وفي القصيدة العربية التي تغنّت بشهامة أهل الجبل وخصوبة أرضه.

الفنون الشعبية مثل الدبكة والسويحلي ليست مجرد رقصات احتفالية، بل طقوس جماعية تعيد إنتاج الهوية وتربط الأجيال ببعضها. كذلك الأكلات الشعبية مثل المجدرة وخبز التنور والدبس ليست مجرد طعام، بل ذاكرة متجسدة تختصر علاقة الإنسان بأرضه.

أما على الصعيد الرمزي، فقد أصبحت السويداء مرادفاً للكرامة في الوعي العربي الحديث، حيث تختصر سير أبطالها الوطنيين وزعمائها الاجتماعيين، وعلى رأسهم سلطان باشا الأطرش، معنى التضحية والانتماء. إنها مدينة ما تزال تسكن في حجرها الأسود وذاكرتها الجمعية، وتمنح للأجيال الجديدة درساً حياً في معنى الصمود والهوية والانتماء.


6. التحولات الاقتصادية والاجتماعية بعد عام 2000: بين الانفتاح والأزمات

مع مطلع الألفية الثالثة، دخلت السويداء مرحلة جديدة اتسمت بالتشابك بين الانفتاح الاقتصادي والضغوط الاجتماعية. فقد تبنّت الدولة السورية سياسات انفتاح اقتصادي جزئي، انعكس على المحافظة عبر توسّع القطاع الخاص وظهور أنشطة تجارية وخدمية جديدة. في الوقت نفسه، بقيت الزراعة تمثل العصب الأساسي لحياة الكثير من الأسر، لكنها واجهت تحديات متزايدة نتيجة تقلّبات المناخ، وتراجع الدعم الحكومي، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

من جهة أخرى، ساهمت عودة المهاجرين من الخارج ومعهم رؤوس أموال وخبرات، في إدخال أنماط استثمار جديدة، مثل إنشاء معامل صغيرة لتصنيع المنتجات الزراعية، وتجارب أولية في السياحة الريفية. ورغم ذلك، ظلّت الفجوة قائمة بين الطموحات التنموية والقدرة الفعلية على تجاوز عقبات البنية التحتية وضعف الخدمات.

على المستوى الاجتماعي، أفرزت هذه المرحلة شريحة شبابية مثقفة ومتعلمة، لكنها اصطدمت بمحدودية فرص العمل داخل المحافظة، ما جعل الهجرة الداخلية والخارجية خياراً شبه إلزامي للكثيرين. ومع ذلك، ساعدت شبكات التضامن العائلي والمجتمعي على امتصاص جزء من الضغوط، وحافظت على استمرارية الهوية الثقافية في وجه التغيرات المتسارعة.


7. السويداء خلال الأزمة السورية (2011–2025): تحديات البقاء وإعادة تعريف الهوية

اندلاع الأزمة السورية عام 2011 كان نقطة تحوّل حادة في تاريخ السويداء. فالمحافظة، رغم بقائها نسبياً بعيدة عن خطوط القتال المباشر، واجهت آثاراً عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فقد تراجع النشاط الزراعي بسبب صعوبة تسويق المحاصيل، وارتفعت معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، فيما تضاعفت الهجرات الداخلية والخارجية بحثاً عن الأمان والرزق.

المجتمع المحلي أظهر مرونة استثنائية في مواجهة هذه الظروف. برزت مبادرات أهلية لتأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الخبز والوقود، كما لعبت الجمعيات الخيرية دوراً مهماً في دعم الأسر المتضررة. في المقابل، أثرت الأزمة على البنية التقليدية للعلاقات الاجتماعية، إذ ازدادت الضغوط على شبكات التكافل التقليدية، وتنامت تحديات الأمن المجتمعي.

رغم ذلك، أعادت هذه المرحلة إنتاج الهوية الجمعية للسكان على قاعدة “الصمود والبقاء”. فذاكرة الثورة السورية الكبرى ورمزيتها الوطنية عادت إلى الواجهة كخطاب يوحّد المجتمع في مواجهة الأزمات. لقد كانت الأزمة امتحاناً قاسياً للجبل، لكنها أيضاً لحظة لإعادة تعريف الذات وتعزيز التضامن الأهلي.


8. الزراعة في السويداء: بين الأصالة والتحديث

تُعتبر الزراعة القلب النابض لاقتصاد السويداء منذ قرون، إذ تتميز المحافظة بتنوع بيئي ومناخي يسمح بزراعة محاصيل متعددة. أهمها الكرمة التي تُنتج العنب بمختلف أنواعه، والذي يشكّل الأساس في صناعة الدبس والعرق والنبيذ، إضافة إلى الزيتون والحبوب والخضروات الموسمية.

لكن مع تطور الزمن، واجه المزارعون تحديات عديدة أبرزها تراجع الهطول المطري، وارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة، وضعف شبكات التسويق. في المقابل، ظهرت مبادرات لتطوير القطاع، مثل إدخال أنظمة الري الحديثة، وتجارب في الزراعة العضوية، وإنشاء تعاونيات لتسويق المنتجات بشكل أفضل.

اللافت أنّ الزراعة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، بل هي جزء من الهوية الثقافية. فالأغاني الشعبية، والأمثال المتوارثة، وحتى طقوس الاحتفال بالمواسم الزراعية، كلها تجعل من الأرض أكثر من مجرد مصدر رزق، بل رمزاً للانتماء والاستمرار. اليوم، ومع الحاجة إلى استراتيجيات تنموية جديدة، تبقى الزراعة في السويداء محوراً أساسياً لأي مشروع مستقبلي يسعى إلى تحقيق التوازن بين الأصالة والتحديث.


9. السياحة والتراث: حجر أسود يحكي التاريخ

تملك السويداء ثروة أثرية وطبيعية تجعلها مؤهلة لأن تكون مركزاً سياحياً فريداً. فمدنها القديمة مثل “سؤادا” و“قنوات” و“شهبا” تضم آثاراً رومانية وبيزنطية نابضة بالحياة، من مسارح وأعمدة ومعابد. كما أنّ القرى البازلتية ببيوتها السوداء التقليدية تشكّل مقصداً لمحبي العمارة التراثية.

إلى جانب الآثار، تتميز المحافظة بجمال طبيعي متنوّع، من الجبال البركانية والتلال الحجرية إلى الغابات والمروج. هذا التنوع يمنحها مقومات للسياحة البيئية والريفية، خصوصاً مع بروز مبادرات محلية لتحويل البيوت التقليدية إلى بيوت ضيافة تستقبل الزوار.

لكن رغم هذه الإمكانات، تعاني السياحة في السويداء من ضعف البنية التحتية وقلة الترويج. ومع ذلك، فإن الاهتمام المتزايد بالتراث والهوية المحلية يجعل من القطاع السياحي رهاناً استراتيجياً للمستقبل. إنه ليس مجرد مورد اقتصادي، بل وسيلة لإحياء الذاكرة وتعريف الأجيال الجديدة بعراقة المكان.


10. التعليم والثقافة: من المدرسة الريفية إلى الجامعة

لعب التعليم دوراً محورياً في تشكيل ملامح المجتمع السويداء. فمنذ ستينيات القرن الماضي، اعتُبرت المدرسة سلّم الصعود الاجتماعي، حيث اندفع أبناء القرى نحو التعليم الجامعي ليعودوا لاحقاً موظفين وأطباء ومهندسين ومدرسين. التعليم لم يكن مجرد وسيلة للترقي الفردي، بل ركيزة لتحديث المجتمع وفتح آفاق جديدة أمامه.

على المستوى الثقافي، أسهمت الحركة الأدبية والفنية في ترسيخ صورة السويداء كحاضنة للهوية الوطنية. الأغاني الشعبية والرقصات الجماعية مثل “السويحلي” و“الدبكة” بقيت شاهداً على حيوية التراث، فيما أنتجت المحافظة شعراء وأدباء ساهموا في المشهد الثقافي السوري والعربي.

اليوم، ورغم التحديات التي فرضتها الأزمة، ما زال التعليم يحتل مكانة مركزية، إذ يحرص الأهالي على تعليم أبنائهم مهما كانت الظروف. هذا الإصرار يعكس إيماناً عميقاً بأن المعرفة هي الطريق الأضمن للحفاظ على الهوية والانفتاح على المستقبل.


11. المرأة في مجتمع الجبل: بين التقاليد وديناميات التغيير

تلعب المرأة في السويداء دوراً محورياً يتجاوز حدود الأسرة التقليدية. فمنذ عقود طويلة، كانت شريكة في العمل الزراعي، حيث ساهمت في رعاية الكروم، صناعة الدبس والخبز، وإدارة شؤون البيت. ومع توسّع التعليم منذ ستينيات القرن الماضي، برزت المرأة بوصفها فاعلاً أساسياً في الحياة العامة، فدخلت ميادين التدريس، التمريض، والوظائف الحكومية، وصولاً إلى الانخراط في الحياة الثقافية والفنية.

رغم ذلك، بقيت المرأة تحمل على عاتقها ثقل التقاليد الاجتماعية التي كثيراً ما حدّت من مشاركتها في صنع القرار. غير أن السنوات الأخيرة، خصوصاً مع موجات الهجرة وغياب الرجال، دفعت النساء إلى تولي أدوار قيادية في الأسرة والمجتمع، ما أتاح لهن مساحة أوسع لإثبات الذات.

الحركة النسوية في السويداء لم تأخذ طابعاً صدامياً، بل اتسمت بالتدرج والانسجام مع القيم المحلية. المرأة هنا لم تسعَ إلى كسر الأعراف، بقدر ما سعت إلى إعادة تعريف دورها ضمن هذه الأعراف نفسها. وهكذا، أصبحت رمزاً للصبر والقدرة على التكيّف، ورافعة أساسية لاستمرار الهوية الجمعية للجبل.


12. الهجرة والاغتراب: جسور بين الجبل والعالم

الهجرة جزء لا يتجزأ من تاريخ السويداء. فمنذ بدايات القرن العشرين، انطلق أبناؤها نحو الأميركيتين ولبنان والأردن، بحثاً عن الرزق والاستقرار. لاحقاً، ازدادت الهجرات نحو الخليج وأوروبا، لتصبح التحويلات المالية رافداً أساسياً للاقتصاد المحلي.

الهجرة لم تكن مجرد حركة أفراد، بل شكلت جسور تواصل بين الجبل والعالم. المغتربون ساهموا في بناء المدارس والمستشفيات والبيوت، وأدخلوا أفكاراً حديثة عززت روح الانفتاح. في المقابل، حملوا معهم هويتهم البازلتية أينما ذهبوا، فأسسوا جمعيات وروابط تحافظ على الصلة بالأرض الأم.

لكن لهذه الظاهرة جانبها المظلم أيضاً. فقد خلّفت فجوات اجتماعية وعمرية واضحة، إذ هاجر كثير من الشباب، ما أدى إلى شيخوخة بعض القرى. كما أوجدت أنماطاً جديدة من القيم والسلوكيات التي قد تتعارض أحياناً مع النسيج التقليدي. ومع ذلك، تبقى الهجرة أحد أبرز أسرار مرونة المجتمع، إذ تحولت من تهديد محتمل إلى مصدر قوة وتواصل عابر للحدود.


13. الفنون الشعبية: مرآة الهوية الحية

تُشكّل الفنون الشعبية في السويداء خزّاناً رمزياً للذاكرة الجماعية. فالدبكة التي تُؤدى في الأعراس والمناسبات ليست مجرد رقصة، بل طقس جماعي يعبر عن الانتماء والتكاتف. كذلك الحال مع “السويحلي”، الذي يجمع بين الشعر والغناء والإيقاع في مشهد يختصر روح الجماعة.

الأغنية الجبلية تحمل في كلماتها حكايات الأرض والبطولة والحب، وتستحضر صورة الجبل الصامد. حتى الأمثال الشعبية التي يتداولها الناس في حياتهم اليومية تعكس فلسفة محلية عميقة تقوم على الحكمة والاعتداد بالكرامة.

كما لعبت الفنون التشكيلية والمسرح دوراً متزايداً في العقود الأخيرة، حيث ظهرت مبادرات فنية توظف الحجر الأسود رمزياً في الأعمال التشكيلية، وتستحضر التراث في نصوص مسرحية وأدبية. هذه الفنون، التقليدية والحديثة على السواء، جعلت من السويداء فضاءً حياً لهوية تتجدد باستمرار، من دون أن تفقد جذورها العميقة.


14. الأكلات التقليدية: طعام الذاكرة وروح المكان

المطبخ في السويداء ليس مجرد وسيلة لإشباع الجوع، بل هو سجل حي للذاكرة الشعبية. أكلات مثل المجدرة، الكبة، خبز التنور، الدبس، والسمن البلدي، تحمل في طياتها حكاية الأرض واليد العاملة التي صنعتها. فالقمح المزروع في الحقول، والعنب الذي يُستخرج منه الدبس، والزيتون الذي يُعصر لإنتاج الزيت، جميعها تعكس دورة حياة مرتبطة بالطبيعة.

الولائم الجماعية في الأعراس والمناسبات ليست مجرد طقوس اجتماعية، بل وسيلة لإعادة إنتاج التضامن والكرم كقيمة أساسية في ثقافة الجبل. حتى طرق إعداد الطعام تعكس البنية العائلية، حيث تتشارك النساء في إعداد المأكولات، فيتحول المطبخ إلى فضاء للتعاون وتعزيز الروابط.

اليوم، ومع بروز السياحة الريفية، أصبحت هذه الأكلات جزءاً من الهوية السياحية للسويداء. فالزائر الذي يتذوق الخبز البازلتّي من تنور حجري، أو يشرب كأساً من العرق التقليدي، لا يستهلك مجرد طعام، بل يعيش تجربة ثقافية تختصر روح المكان.


15. السويداء اليوم: التحديات والآفاق المستقبلية

السويداء اليوم تقف على مفترق طرق بين الماضي العريق والمستقبل المأمول. فهي تواجه تحديات اقتصادية خانقة، أبرزها البطالة، هجرة الشباب، وتراجع الزراعة. لكنها في الوقت نفسه تمتلك رصيداً هائلاً من الهوية والذاكرة والموارد البشرية والطبيعية.

المستقبل يتطلب رؤية تنموية متكاملة تعيد الاعتبار للزراعة عبر إدخال التكنولوجيا والري الحديث، وتطوير قطاع السياحة ليتحول إلى مصدر دخل مستدام، مع تعزيز التعليم والتدريب المهني لفتح فرص جديدة أمام الشباب.

الأهم من ذلك، هو الحفاظ على الهوية الثقافية الحية التي جعلت من السويداء رمزاً للصمود والكرامة. فالمجتمع الذي حافظ على استمراريته عبر قرون من التحديات، قادر اليوم على أن ينهض من جديد إذا ما توافرت الإرادة والرؤية.


الخاتمة

منذ الاستقلال وحتى الحاضر، شكّلت السويداء مثالاً على التوازن بين الأصالة والتجدد، بين الانتماء المحلي والهوية الوطنية. تاريخها الزراعي، تراثها المعماري، فنونها الشعبية، وهويتها الدرزية المتماسكة، كلها جعلت منها فضاءً مميزاً في الجغرافيا السورية. ورغم الأزمات والهجرات والتحولات، ظلّ المجتمع السويداوي قادراً على التكيف، محمّلاً برصيد من القيم والذاكرة يعينه على مواجهة المستقبل. إنها قصة مدينة على حجر أسود، ما تزال تنبض بالحياة، وتقدّم للعالم درساً في معنى الكرامة والهوية.


الأسئلة الشائعة (FAQs):

1. ما أبرز مقومات اقتصاد السويداء التقليدي؟
يعتمد اقتصاد السويداء تقليدياً على الزراعة، خصوصاً الكروم والزيتون والحبوب، إلى جانب تربية المواشي وصناعة الدبس والعرق.

2. كيف أثرت الهجرة على المجتمع المحلي؟
الهجرة وفرت تحويلات مالية ساعدت في تحسين مستوى التعليم والبناء، لكنها أدت أيضاً إلى فجوات عمرية واجتماعية بسبب غياب الشباب.

3. ما الرمزية الثقافية للحجر البازلتي في السويداء؟
الحجر الأسود يرمز إلى الصلابة والصمود، ويشكل عنصراً معمارياً وجمالياً يعكس هوية المكان منذ قرون.

4. ما دور المرأة في مجتمع الجبل؟
المرأة لعبت دوراً أساسياً في الزراعة والتعليم والحياة الاجتماعية، ومع الهجرات المتزايدة تولت أدواراً قيادية داخل الأسرة والمجتمع.

5. كيف يمكن تطوير مستقبل السويداء اقتصادياً؟
عبر دعم الزراعة الحديثة، الاستثمار في السياحة التراثية والبيئية، وتعزيز التعليم والتدريب لفتح فرص عمل جديدة للشباب.

عرض المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى